الراغب الأصفهاني

12

تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين

قالوا وعلى هذا دل معنى قول أمير المؤمنين كرم اللّه وجهه : ان العقل لإقامة رسم العبودية لا لإدراك الربوبية ثم أنشأ يقول : كيفية النفس ليس المرء يعرفها * فكيف كيفية الجبار في القدم هو الذي أنشأ الأشياء مبتدئا * فكيف يدركه مستحدث النسم وقال أيضا : العجز عن درك الادراك ادراك * والبحث عن سر ذات السر إشراك وفي سرائر همّات الورى همم * عن ذا الذي عجزت جن وأملاك يهدي إليه الذي منه إليه هدى * مستدركا وولي اللّه مدراك وقال أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه : يا من غاية معرفته القصور عن معرفته . وقال اللّه تعالى ( نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ ) تنبيها على أنهم لو عرفوا أنفسهم لعرفوا اللّه فلما جهلوه دل جهلهم إياه على جهلهم إياها الباب الثاني في ذكر أجناس الموجودات وموضع الإنسان منها اعلم أن اللّه تعالى هو الواجب الوجود الذي لا سبب لوجوده بل هو سبب كل موجود . وكل موجود فمنه وبه تعالى وجوده . والموجودات ضربان : المعقولات العلوية والمحسوسات السفلية وإيجاده تعالى للمعقولات العلوية قبل إيجاده للمحسوسات السفلية كما روي أنه أول ما خلق اللّه تعالى القلم ثم اللوح وقال أجر بما هو كائن إلى يوم القيامة . وروي أنه أول ما خلق اللّه العقل فقال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر فقال بعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم علي منك بك آخذ وبك أعطي